04 مايو، 2008

الحاجة الى مؤسسات نزيهه لخدمة كل المواطنين

لقد كثر في الآونة الأخيرة عدد المواطنين الذين يتوجهون برسائل إلى الديوان الملكي ملتمسين إنصافهم من جراء ظلم لحقهم من قبل من أوكل إليهم السهر على مصالح الشعب أو يلتمسون إنقاذ حياتهم من مرض بعد أن استعصى عليهم توفير تكاليفه العلاجية.
و بين الفينة و الأخرى يلتجأ سكان قرى بكاملها الى الإستغاثة بالملك من أجل الحصول على أشياء ضرورية للحياة من ماء و طرق؛ كما أوردت الصحف الوطنية، في الشهور الأخيرة، أخبار تدخلات الملك لإصلاح أخطاء قضائية نتجت عنها أحكام جائرة في حق مواطنين بتهمة "المس بالمقدسات".
أما في حادثة معمل الدارالبيضاء الأخير كان لا بد من أن يطمئننا الاعلام الرسمي أن الملك هو من يشرف مباشرة على التحقيق في هذه الفاجعة و كأنهم يعترفون أن السلطات المخولة بإجراء التحقيق تعوزها النزاهة و الشفافية.
ولا يسع المرء هنا، أمام هذه الرسائل و التدخلات المتكررة للقصر بخصوص إنصاف مظلوم أو إصدار عفو بُعيد حكم قضائي أو إنقاذ حياة مريض كما سبق وأن وقع مع فنانين و مثقفين الخ، (لايسع المرء) إلا أن يتسائل عن دور القطاعات الوزارية و المجالس الإستشارية و المرافق العمومية المحلية وغيرها وخصوصا عندما نستحضر طرق تبدير الأموال العمومية.
لماذا إذن كل هذا الصخب و كل هؤلاء الوزراء وكل هذه الإعدادات للميزانيات القطاعية، وهذه المسرحيات التي يسمونها "مناقشة الميزانية " أو "التصويت" عليها في البرلمان؟؟؟
ما الهدف منها إن لم يكن هو المواطن!؟ صحته!؟ أمنه!؟ كرامته!؟ حقه في الحياة الكريمة!؟
لمن هذه الأموال التي يتصرفون فيها ويتناقشون حول كيفية توزيعها على القطاعات، ويقتنون منها سيارات فارهة، ويقيمون بها مهرجانات بادخة و تافهة؟ أليست أموال هذا المواطن؟
كم من قرية "أنفوكو" لازالت تنتظر تدخل الملك لتنعم بمدرسة ومستوصف و طريق؟؟؟
وكم من مظلوم و مريض سُدت في وجوههم مؤسسات الدولة - لعدم توفرهم على المال أو مركز اجتماعي مرموق- سيٌضطرون مستقبلا الى تقديم رسائل الإلتماس إلى الديوان الملكي لينعموا بالحق في الحياة ؟؟؟
الى متى سيبقى المواطنون يتسلمون الصدقات من أموالهم و يعتذرون عن جرائم لم يركبوها ؟؟؟
هذه مجرد تساؤلات لا أنتظر أجوبة لها.

05 أبريل، 2008

السلوك المدني و حرية التعبير

غالبا ما يطلق المسئولون العنان لألسنتهم للحديث عن أشياء مثل السلوك المدني أو الحكامة الجيدة أو اللعبة الديموقراطية في معرض حديثهم عن الأوراش الكبرى أو عن تلك الأشياء التي يعرف عامة المغاربة أنها، الى حد اليوم، مجرد كذب في كذب لأن العبرة بالنتائج الملموسة وليس بأرقام الوزارات. ولا يبدو واضحا المسلك الذي تعتزم الحكومة -أو من يتخذ القرارات بدلاعنها- اتباعه لإقناع تلاميذ مدارسنا بمختلف أسلاكها، أو المواطنين، بتبني القيم الحضارية أو التشبع بالحس المدني و نهج سلوك حضاري في حياتهم تجاه المؤسسات والمجتمع في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الوطنية قتلا يوميا لهذه القيم كاستقلال القضاء وحرية التعبير و سيادة القانون... إذ لا يمكن أن نختار من منظومة القيم السلوك المدني وحده لترسيخه لذى تلامذتنا بمعزل عن القيم الأخرى.
إن الأحكام القضائية الأخيرة التي صدرت في محاكم المغرب و التي تتعلق بالصحافة و النشر وحرية التعبير و حق الاحتجاج خير دليل على انعدام الرغبة لدى الحكام في اتخاذ القرارات الصعبة و الشجاعة المرتبطة بالتغيير.
فالمجلس الأعلى للتعليم يورد في موقعه على أن "السلوك والمدنية يحيلان ...إلى التمدن ...[و] التحضر... و يستدعي... مفاهيم أخرى محورية، مثل : الديموقراطية والمواطنة والوطنية واحترام حقوق الإنسان، والمدنية، والحس المدني والتربية المدنية، أو التربية على المواطنة أو التربية على حقوق الإنسان"
أما تقرير « POGAR » التابع للأمم المتحدة في تعريفه للحكم الرشيد يشير الى أن هذا الأخير " يشمل... الدولة و المجتمع المدني و القطاع الخاص... و يُعنى بآثار التنمية... على أجيال متعددة... وتتمثل أبعاد الحكم الرشيد في سيادة القانون والشفافية والاستجابة والمشاركة والإنصاف والفاعلية والكفاءة والمساءلة والتوجيه نحو بناء توافق الآراء والرؤية الاستراتيجية "
فقد اكتفى المسؤولون المغاربة بترجمة مصطلح « Good governance » بمصطلح "الحكامة الجيدة" تاركين مصطلح "الحكم الرشيد" الذي يرد في تقارير برامج إدارة الحكم في الدول العربية « POGAR » لما يوحي إليه من مسؤوليات نظام الحكم.
إن الحكم ب 6 ملايين درهم ضد جريدة المساء و الأحكام التي صدرت في حق أشخاص اتهموا بالمس بالمقدسات أو رفعوا أصواتهم ضد الغلاء كلها أحكام يصعب تبريرها و شرحها للتلاميذ في إطار التربية على المواطنة و السلوك المدني.
إن زمن الحلول الترقيعية قد ولى و أصبحت معضلاتنا المتراكمة سنة بعد أخرى تزداد قتامة بمرور الوقت و تتطلب استراتيجية شمولية تعتمد التخطيط المحكم والعقلنة والترشيد في صرف الأموال العمومية. أما إذا كان الحكام يرغبون في تحويل المواطنين الى رعايا متمتعين بحس مدني على مقاسهم يحمدون الله على ما أصابهم من فقر و ذل ويلتزمون بالتعليمات كما تقوم بذلك روبوهات في أفلام الخيال العلمي، فتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بالقيم الحضارية و الديموقراطية.



11 مارس، 2008

مستشفيات متعددة الإختلالات

نجد لدى كل مغربي قصة أو أكثر عن مغامراته في مستعجلات مستشفيات المملكة. ولا يمكن أن نلج إحداها دون أن نصادف مواطنا يصرخ إما من شدة الألم أوالإهمال أو جراء حيف أو تمييز طاله، هذا إذا لم يكن بسبب ابتزاز لم يقو عليه. ولا تجد في هذه الأماكن، المعدة أصلا لإنقاذ الأرواح وتخفيف الآلام أو مداواة الجراح، إلا الصراخ و الألم والحزن والإهمال و كراسي مكسورة وأسرة متعفنة وممرضون غلاظ لا يأبهون لمعانات المواطن و طبيب غارق في مجاملة ممرضة أو لا يفعل أي شيء. أما بالنسبة للتجهيزات فلن ترى سوى تلك السماعة التي يجس بها الطبيب نبضك أو أدوات بسيطة كتلك التي كانت تستعمل في بداية الاكتشافات الطبية (إبر، مقص، مشرط...)
و قد اعترفت الوزيرة المكلفة بالصحة خلال المناظرة الوطنية للصحة بكل تلك المشاكل التي تتخبط فيها صحتنا وأوردت، كما أشارت الصحافة الى ذلك، عدة اختلالات كـ صعوبة الولوج إلى العلاجات و توزيع غير عادل وغياب التكافؤ... و غياب الاستقلالية...وقلة الكفاءات و سوء استقبال المرضى والتكفل بهم و قلة الأطر الطبية وغياب برامج تكوين المستمر...و استعمال القطاع الخاص للموارد البشرية التابعة للقطاع العمومي... وتفشي ظاهرة الغياب والرشوة وغياب روح المسؤولية الخ.
إن الإهمال الذي حضيت به مستشفياتنا، خلال نصف قرن، من طرف الحكومات التي تعاقبت وتناوبت علينا لا يمكن تفسيره إلا برغبة القائمين على أحوالنا في إذلالنا وتعميق معاناتنا حتى لا نجد وقتا نتفرغ فيه لأشياء أخرى. فحتى التغطية الصحية الإجبارية، التي لا تحمل صفة الإجبارية إلا في الاقتطاع من أجرة الموظف، لم تأت بجديد بالنسبة للمنخرطين، فالفحوصات الطبية و التحليلات وكذا الأدوية التي تأخذ من دخل المواطن قسطا هاما لا يُعوض الجزء القليل منها إلا بعد ثلاثة أشهر أو أكثر. ففي البلدان التي تحترم مواطنيها وتخطط لمستقبلهم، تكون مستعجلات المستشفيات مجهزة بأحدث الآلات والتقنيات ومختلف المتخصصين، من ممرضين وأطباء وتقنيين، الذين يتوقف إنقاذ الأرواح وإسعاف ضحايا الحوادث على خبراتهم. ولن يجبر أحدهم المريض أو أقاربه على دفع شيك، فالإسعافات الأولية والحق في الحياة هي مقدساتهم أما مصاريف العلاج أو التغطية الصحية هي آخر ما يتداولونه ولن تعوزهم الوسائل والطرق للحصول عليها عندما لا يكون المريض مؤمَّنا.
أما في مستشفيات وزارة الصحة، التي اعترفت المسئولة عليها أن لا شيء فيها على ما يرام، فإن الموت والحظ هما من يقومان بالإسعافات الأولية والضرورية لكل من وطأت قدماه المستعجلات ويكون أقرب الى الموت أكثر من الحياة.

27 فبراير، 2008

المناضل

عندما لمحته في البداية ضننت أن في الأمر تشابها فقط و أن الشخص الذي تزاحمت صوره في ذهني لحضتها يستحيل أن يكون هذا الواقف أمامي. اقتربت منه أكثر لأزيح الشك الذي ساورني كما رغبت في تمضية لحضه ممتعة معه لاسترجاع بعض الذكريات.
ناديته باسمه حسن! أنت هذا!
نظر إلي بعينين واسعتين ووجهه يغالب ابتسامة مصطنعة غير تلك التي عرفناها فيه. لقد تذكرني، وبدا مُحرَجا. ارتبكت بدوري ولم أعرف كيف سأبدأ كلامي. لم يعد حسن المناضل، كما كنا نسميه، ذلك الشاب المتفائل و المفعم بالحيوية.
لقد عرفته في ثمانينيات القرن الماضي، وكان يفور طاقة وحيوية. كان يأتينا بالأخبار أحيانا قبل نشرها في الجرائد وكان بالنسبة للأصدقاء والرفاق بمثابة هاتفهم النقال أو علبة بريد إلكتروني بمقاييس اليوم. لا يمر نشاط ثقافي أو سياسي أو غيره في المدينة دون أن يحضره حسن ليخبرنا، فيما بعد، بكل ما راج أمام الحاضرين و في الكواليس. كان يطوف المدينة كلها منذ أن يستيقظ إلى أن يسلم جسده النحيل لنوم مستحَق في ساعة متأخرة من الليل.
لم تكن غاية حسن، في كل ما يقوم به، الحصول على مكانة إجتماعية أو حزبية. كان يحس بنشوة تلفه حين يكون محاطا بالأصدقاء والزملاء وهو يطلعهم، مثل أستاذ وسط تلامذته فيما مضى، على أخبار جديدة محلية و وطنية دون إغفال تقديم تحاليله الخاصة بكل خبر.
بادرته بالسؤال عن أحواله وأحوال عائلته. كانت أجوبته مختصرة لا تتجاوز كلمة أو اثنتين. وعندما سألته عن الأصدقاء والرفاق لم ينطق بكلمة واحدة. ثم سألني، ربما تهربا من الجواب، عن أحوالي ومصيري...أعدت السؤال بطريقة أخرى مستفسرا عن مآل نشاطه السياسي والثقافي. وأجاب منحني الرأس:
- لم يعد هناك أي نشاط ولا هم يحزنون.
كان حسن، عندما يتحدث الى الرفاق، لا يكف عن النظر في وجوههم مبتسما أو منشرحا. لا يتسرع في أخذ الكلمة بل يعطي كل الرفاق والأصدقاء فرصة التعبير عن آرائهم.
تتوالى الصور تلو الأخرى في ذهني ولا زلت لم أجد تفسيرا لمآل هذا الرجل. وحاولت أن أضفي على اللقاء شيء من الفكاهة وذكرت حسن بمواقف مضحكة مع المقدم وقائد المقاطعة وخطيبته التي تركها لكثرة إلحاحها عليه بترك السياسة و الجلسات مع الرفاق وضحك فقط لمجاملتي. ثم أعدت السؤال: وماذا عن الرفاق؟ وأجابني:
- لم يعد هناك رفاق ولا أصدقاء ولا هم يحزنون...
وهل شاركت في انتخابات 7سبتمبر 2007 ؟
- أعود بالله ! لا. لم أترشح ولم أصوت على أحد ! لقد ذهبت الى المقاطعة لشطب اسمي من اللوائح وقال لي المقدم سنقوم بذلك عندما نتحقق من موتك !
و استمر في كلامه:
- إننا نحن المغاربة نحتاج الى أكثر من وقفات احتجاجية وأكثر من انتخابات كالتي شاهدناها في 7 سبتمبر 2007. ماذا قدمنا من أجل الديمقراطية؟ فالحكومة التي تسهر اليوم على "تدبير" شؤوننا أو شؤونها فهي تناسب مجهودنا وعطاءاتنا في النضال الديمقراطي. ارتكن كل منا الى الحلول السهلة و الإتكالية وانتشرت الوصولية والانتهازية والتملص من المسؤولية.
بدا حسن متوترا على غير عادته (كما عرفته) و لا يتوقف عن فرك أصابعه و استطرد قائلا:
- لقد غرق كل منا في أنانيته جاعلا منها مذهبه وفلسفة حياته. نقترف أخطاء لانقبل ارتكابها من طرف غيرنا. نمر عند الإشارات الحمراء ونسب كل من سولت له نفسه التطاول على حقنا في المرور. لا نحترم الأسبقية أمام المكاتب وعند الطبيب و أمام الشبابيك. المهندس يبني العمارة لتسقط قبل إتمامها. الطبيب لا يفحص المريض حتى يضمن قهوة يومه. الشرطي لا يهتم بأمن المواطن أو احترام القانون قبل "مدخوله". المدرس يبتز تلاميذه بحثا عن مصروف إضافي. الموظف... التقني... الممرض...أو زيد اوزيد ما بقا نضال ما بقات صداقة ما بقا والو.
عدل حسن من وقفته وأشعل سيجارة وهو يرتجف. وبعد بضع رشفات تقلص حجم السيجارة وتغير شكلها من شدة الاحتراق. سرنا على الرصيف لتفادي نظرات الباعة الذين ملئوا كل الأزقة والشوارع وغدوا لا شغل لهم إلا مراقبة المارة ومؤخرات النساء. و بعد خطوات تابع حسن كلامه:
- حتى النقابات أصبحت تتظاهر فقط عندما لا تنال حصتها الكافية من الحكم و نحن نُضرب معها دون معرفة بالملف المطلبي، فقط للتهرب من يوم عمل وتمضيته في لوك الكلام في مقهى والاطلاع على جرائد لم نشتريها. أما الأحزاب، التي تحولت الى حوانيت أو وكالات انتخابية، فقد أسقطت من برامجها المطالب الحقيقية للشعب وأصبحت كل حزب مستعد للتحالف مع/أو معارضة أي حزب للرفع من عدد حقائبه ومقاعده. ومن خرج بصفر حقيبة في الحكومة يلتجأ الى المعارضة اللفظية و شعبويته المعهودة كمطالبة الحكومة بإيجاد الشغل للعاطلين والتنديد باعتداء الصهيونية على شعب فلسطين وتفاهات أخرى.
قال حسن هذا الكلام والمرارة بادية على وجهه ثم أضاف قائلا:
- أما بالنسبة للأصدقاء والرفاق فلم يعد هناك ما يجمعنا كما كنا في السابق فقد انشغل كل منا بشؤونه الشخصية المحضة. و الحاصول تهلا في راسك.








16 فبراير، 2008

الكتاب المدرسي للغة العربية ...واللغة الفرنسية


حينما يتصفح الواحد منا كتب أبنائه المدرسية، ويقارن بين القراءة العربية و الفرنسية سيفاجئه البون الشاسع بين الخطابين اللذين تتبناهم نصوص هذه الكتب. فتجد النصوص العربية، في غالبيتها، تنتهج أسلوب الأمر و النهي وإبداء النصيحة والتحذير...في حين أن الكتب الفرنسية تلجأ الى نصوص تحمل، في مجملها، خطاب السخرية والفكاهة وتعتمد المواضيع التي تعجب الأطفال مثل اللعب والمغامرة والقصص...
إن المشرفين على وضع الكتب المدرسية في اللغة العربية حرسون على إن لا تتسرب الى عقول أبنائنا أفكار مُحرضة تحثهم على التمرد والعصيان ضد "رموز المجتمع". فنصوص هذه الكتب إما كتبت تحت الطلب أوهي لكتاب معروفون بولاءاتهم أو نصوص جاهزة. وفي مجملها نصوص تافهة تنهى أو تنصح أو تأمر أو تحذر أو تتوعد بالعقاب. إنها نصوص عقيمة، بعيدة عن الواقع، تدفع التلميذ الى النفور من المادة.
فلتعليم أبنائنا قواعد اللغة من تراكيب وصرف وتحويل الخ، تلجأ وزارة التربية لنصوص تتوخى منها ضرب عصفورين بحجر واحد. فهي تهدف إلى تعليم أبنائنا قواعد اللغة مع تمرير خطاب إيديولوجي و لا تسمح للتلاميذ بالإبداع والتفكير والتفتح على عوالم أخرى فهي تحاصرهم بالشعارات الفارغة والجاهزة التي لا يجد لها التلاميذ صدى في المجتمع كالصدق و حب الوطن و حب اللغة والمحافظة على البيئة و الدموقراطية واحترام حقوق الإنسان وتفاهات أخرى لا يمكن ترسيخها لدى الأطفال بخطاب الوعظ و الإرشاد بل بالفعل في الميدان.
أما عندما تتناول التدريس أو الصحة أو الشرطة أو القضاء… فإنها تصفهم أهل هذه المهن بالملائكة التي ترعانا والحال أن الأمر غير ذلك، فالطفل لن يبقى طفلا مدى الحياة ولن ينس كل ماقيل له. فما إن يكبر التلاميذ حتى يكتشفوا الكذب والنفاق الذي كانوا ضحيته ويتحولوا الى التهكم من تلك الرموز و يقلبوا كل تلك الشعارات ليتحول الحب الى الكراهية والاحترام الى السب والنهي الى الإقدام الخ.
أما الكتب المدرسية للغة الفرنسية فإنها تحتوي نصوصا أدبية رائعة وقصص ممتعة للأطفال. فهي في مجملها فكاهية تتناول الأشخاص والأشياء من باب النقد أو السخرية. لا تمدح ملوكا أو رؤساء ولا تنهى عن الكذب ولا تأمر أو تنصح التلميذ بما يجب أو لا يجب القيام به. إنها تُمتع وتسمح لخيال الأطفال بالتوسع. فعندما تسأل الطفل عن محتوى هذه الحكايات فإنه يعبر عن إعجابه بها بل يحاول أن يتقمص إحدى شخصيات هذه النصوص وهذا دليل على إن النص ممتع بالنسبة له. إنها باختصار إبداع أدبي في مستوى التلميذ يساعد على تنمية قدراته الإبداعية وتعلم قواعد اللغة.
فمتى سيستيقظ خبراؤنا وعلمائنا ليرفعوا وصايتهم عن عقول ابنائنا لتنموا بشكل طبيعي؟


09 فبراير، 2008

لا خير يُرجى...

فكما توجد في الكرة ورياضة فنون المصارعة مدارس، توجد في السياسة مدارس. الا ان في المغرب مدرسة واحدة جمعت كل العلوم والفنون والمذاهب والتيارات. انها "مدرسة الطاعة المطلقة وتعطيل العقل".
فعندما تحل مناسبة تستدعي استقبالا ملكيا ل"كبار" الدولة من وزراء ومستشارين، تكون القناة الأولى قد استعدت أياما قبل الحدث و لن تخلف موعدها مع "مشاهديها الأعزاء" لتمطرهم بتلك الصور المملة و كلاما يسمونه "تعليقا". ويعاد بث تلك الصور لأسبوع كامل مع ملخص مفصل كل يوم أحد وهكذا كان حالنا لأربعة عقود خلت. وفي "العهد الجديد" استبشرنا خيرا في البداية، الا أن الأمر رجع بقوة الى سابق عهده بانخراط القناتين الرئيسيتين في هذا النوع الفريد من الانتاج التلفزي.
فعند استقبال الملك للوزراء والموظفون السامون، فلا أحد منهم يبقى محافظا على "فرعونيته" و شراسته أو رزانته المعهودة فيه بين مرؤوسيه و معارفه. وبقدرة قادر يتحولون الى حيوانات أليفة لا يعرفون كيف يقفون ولا كيف يمشون ولا حتى ما سيفعلونه بأيديهم ليتحولوا الى "صغار الدولة". فقبل التقدم لتقبيل يد الملك يستعدون، كما يفعل العدائون عند الانطلاقة، تم ينطلقون منحنين، راكعين. وينقض الواحد تلو الآخر على يد الملك في حركات سريعة تثير الشفقة والإشمئزاز. فمنهم من يحاول تمديد رقبته و شفتيه مثل كبش يبحث على قضمة عشب تم يبدأ بتـقـبـيل يد الملك ثم يـقـلبها ويعيد تقبيلها في حركات تشبه الى حد كبير "جذبة" أتباع بعض الطرق الصوفية في قمة اندماجهم و انصهارهم. وتظهر الصورة بوضوح عند استقبال وزراء غربيون الذين يقفون ولا ينحنون و رؤوسهم مرفوعة وهم يصافحون الملك باحترام لكن بثقة عالية وعزة نفس قل نظيرها عندنا. وعلى العكس من ذلك فكبارنا مستعدون للمشي على أربعة قوائم و التدحرج والانبطاح مثل الزواحف لاظهار أعلى درجات الخضوع والطاعة للحفاظ على المنصب. إنهم لا يجتهدون، لا يبتكرون، لا يبادون، لا يقولون لا وذلك خوفا من طردهم من طرف حراس "مدرسة الطاعة المطلقة وتعطيل العقل" . أما عندما يتحدثون الى ميكروفون قناة، إنما يفعلون ذلك لتأكيد حظور مفقود ثم يُقحمون الملك في حديثهم دونما حاجة الى ذلك بل فقط احتراما لقواعد هذه المدرسة التي يرعاها أساتذتها الكبار من مستشارين وخدام أعتاب المملكة الشريفة الذين لا يسمحون لكل من يخرج على هذه القواعد بالاقتراب من أسوار أو بوابة مدرسة المخزن هذه. ولا تسترجع ألسنتهم نشاطها العادي في انتقاد النظام أو سياسته إلا بعد استغناء هذا الاخير عن خدماتهم. حينها يكون أغلبهم قد دخل مزبلة التاريخ، ولن يعد يثير انتباه أحد، كما يجرى في الأيام الأخيرة بعد مهزلة 7 سبتمبر.
كيف يمكن لمسئولين من هذا الحجم، الكبير/الصغير، أن يمنحوا للمواطن أشياء لا يتمتعون بها و لم يتذوقوها كالحرية و الكرامة؟ وكيف يمكنهم الدفاع عن "الوطن" والشعب في الملتقيات الدولية وهم تحت الوصاية والحجر ولا يمتلكون سلطة القرار و لا حتى حريتهم الشخصية ؟
...
لا خير يُرجى...



03 فبراير، 2008

إعلام الجزيرة وإعلامنا

لا تتردد مجموعة من الأقلام الصحفية المغربية، في جرائد الاحزاب ووسائل الاعلام الرسمية المكتوبة والقريبة منها، من توجيه "نقد" لادع إلى قناة الجزيرة كلما حاولت هذه الأخيرة النبش في المسكوت عنه، والذي يدخل في صميم اختصاصها أو إثارة مواضيع لا يجرؤ إعلامنا عن تناولها. ولا يعرف أحد ما الذي تنتظره الطبقة السياسية المغربية من قناة قلبت نظرية الإعلام الغربي وحساباته رأسا على عقب ودفعت به إلى حد اليأس والجنون. و لم تجد دول عظمى، التي كانت تحتكر المشهد السمعي البصري، بعد فشلها في إسكات صوت الجزيرة، بدا من الإهتمام بالرأي العام العربي لاستمالته و "إخباره" بلغته لصرف اهتمامه عن الحقائق (راديو ساوا، الحرة، فرانس 24،و في الطريق BBCarab...). أما أغلب الدول العربية، فقد ضربت حصارا على مكاتب الجزيرة وصحفييها ومنعتهم من الحصول على الخبر من مصادره في محاولة يائسة لصد القناة عن فضح عبث الحكام العرب ولامبالاتهم تجاه أوجاع شعوبهم، ورغبة منهم في منع أصوات محاصرة من الكلام في مكروفون هذه القناة. و حاولت دول أخرى تقليد الجزيرة أو ايجاد بديل لها (العربية) إلا أن ذلك لم يخرج عن نطاق المعاملة بالمثل أو الانتقام. و بقيت القناة التي فاجأت العالم أثناء الحرب على أفغانستان والعراق و التي صدمت أمريكا وذكرتها بجراحها في الفيتنام شامخة. وبالمقابل استمرت وكالة المغرب العربي للانباء والقنوات المغربية والجرائد التي تسبح في فلك السلطة في بث أخبارها المملة منذ 50 سنة، تندد فيها بالإعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني وتعرض مسلسلات التدشينات و تتبع تحركات زعماء سياسيين ووزراء لا يصنعون الحدث و لا حول لهم ولا قوة في شؤون البلاد ويكتفون بترديد أقوال قائد البلاد والدعاء له بالنصر.
وبغض النظر عن موالات الجزيرة وخطها التحريري، وتحيزها لطرف على حساب الآخركما تفعل مع الاسلاميين، فإنها تحترم مشاهديها في كثيرمن الاموروهي عازمة على المضي قدما في أداء رسالتها الاعلامية، والتجارية أيضا، وهي بشكل ما صوت العرب المقموعون والمقهورون . فالقناة تبث الأخبار باحترافية عالية و صنعت لنفسها مكانة بين القنوات الكبرى وغدت ظاهرة شغلت الباحثين وخبراء الإعلام الغربي مما دفعهم ألى إعادة النظر في كيفية التعامل مع الجمهور العربي. أما إعلامنا الذي لا يعيره المواطنين أي اهتمام، فقد وضع نصب أعينه أهدافا غير إخبار وتنوير المواطنين.